حوادث

“حفلة قتل بفيصل”.. مبيض محارة وزوجته سلبا حياة قريبته المسنة

كتب- محمد شعبان

3 أيام من الاختفاء، ارتفعت معها حدة قلق الجيران على الحاجة “فوزية” تلك الأرملة التي تمتلك مكانًا في قلوب الجميع لدماثة خلقها ووجها البشوش الذي يحمل الخير لناظريه.

عينا الجارة في الطابق الأعلى رمقت ملابس على حبل الغسيل بالشرفة منذ فترة، في سابقة هي الأولى. زادت الحيرة اتصالات من شقيقها تلقاها سكان العقار “الحاجة لا ترد على اتصالاته منذ 72 ساعة”. هرول الأخ إلى منزل شقيقته ليكتشف الطامة الكبرى.

منذ عامين، كانت “فوزية” على موعد مع الموقف الأصعب في حياتها؛ رحل رفيق دربها تاركًا إياها وقد جاوزت الستين أسيرة 4 جدران ووحدة تكاد تقتلها ألف مرة في اليوم، باستثناء جلسات تجمعها بجاراتها على استحياء، يستعدن معها الذكريات وتشتم كل منهن عبير الزمن الجميل إضافة إلى زيارات أخيها الذي يصغرها بعامين.

اعتادت السيدة الستينية إنجاز أعمال بيتها بنفسها رغم اتساع مساحته كونها تقيم بشقتين في الطابق الثاني بعقار سكني بشارع الملك فيصل غربي محافظة الجيزة، بينما تحضر “صباح” زوجة أحد أقاربها لمساعدتها بين حين وآخر، مقابل بعض مال يعينها وزوجها على توفير احتياجات أسرته.

منتصف الأسبوع الماضي، خرجت الجارة مالكة وحدة سكنية بالطابق الثالث تستكشف الطقس وسط توقع خبراء الأرصاد الجوية بأن يسود البلاد طقس مائل للبرودة يصل إلى حد الصقيع، إلا أن “غسيل منشور” بشقة الحاجة فوزية لفت انتباها محدثة نفسها “هي إيه الحكاية.. أول مرة تحصل.. 3 أيام من غير ما تلم الغسيل” ولم تكد تمر لحظات حتى تلقت اتصالًا من شقيق صاحبة الـ66 سنة يسألها عن أحوالها وسبب عدم ردها على هاتفها فأجابته “بقالها 3 أيام مظهرتش”.

انطلق العامل قاصدًا منزل شقيقته الكبرى، أفكار تتدفق في عقله الباطن غالبيتها ترجح تعرض الحاجة فوزية لسوء، خاصة تأكيد الجارة عدم ظهورها طيلة 72 ساعة. صعد درجات السلم بسرعة لا تتماشى مع تقدمه في العمر فهو ابن الـ64 حتى اشتم رائحة كريهة مصدرها شقة أخته فأيقن أنه فات الأوان ليبلغ شرطة النجدة.

على بعد خطوات من محطة مترو جامعة القاهرة وأسفل محور صفط اللبن، بدت الأجواء عادية داخل أروقة قسم شرطة بولاق الدكرور، يتجول العميد هشام الطماوي متفقدًا النوبتجية، مشددًا على حسن معاملة المواطنين وفق سياسة وزارة الداخلية ويطمئن أيضًا على انتظام الخدمات الأمنية قبل أن يعود إلى مكتبه بالطابق الثاني لإنجاز بعض الإعمال الإدارية، إلا أن صوت جهاز اللاسلكي كان له رأي ثانٍ، إيذانا بمغادرته ديوان القسم لفحص البلاغ الوارد للتو.

في أقل من 10 دقائق وصلت قوة من القسم العقار المقصود بشارع الملك فيصل، تقابل النقيبان أحمد مندور وأحمد عبدالكريم معاونا المباحث مع المُبلغ “شقيق الحاجة فوزية” ودلف ثلاثتهم إلى الداخل، فكانت الصدمة سيدة الموقف لدى عثورهم على السيدة المُسنة جثة مُقيَّدة اليدين والقدمين بحبل في أرضية غرفتها، مُكمَّمة الفم والأنف بإيشارب حريمي ملفوف حول رقبتها، وبها جرح بالرأس، وبعثرة بمحتويات الغرفة.

دقائق قليلة تبدلت معها الأجواء في الشارع محل الواقعة، توافدت قيادات الشرطة من ضباط المباحث ورجال الأدلة الجنائية إلى مسرح الجريمة لإجراء المعاينة اللازمة، تزامنًا مع وصول فريق من النيابة العامة لمناظرة الجثة والوقوف على كيفية دخول الجناة، خاصة عدو وجود آثار كسر بالباب أو النوافذ مما يشير إلى شرعية طريقة الدخول.

بالعودة إلى القسم، تحولت وحدة المباحث إلى غرفة عمليات مصغرة، وصل اللواء مدحت فارس نائب مدير مباحث الجيزة ليترأس فريق بحث رفيع المستوى ضم العميد عاصم أبو الخير مدير المباحث الجنائية، والعقيد محمد الشاذلي مفتش غرب الجيزة، والرائد أحمد صبري وكيل الفرقة؛ لكشف ملابسات الجريمة اللغز.

أولى العقبات التي واجهت رجال الشرطة كانت توقيت الواقعة بالتزامن مع التحضير لتأمين احتفالات الكريسماس وأعياد الميلاد، وتوجيهات وزير الداخلية برفع حالة الاستعداد القصوى الأمر الذي يستدعي مشاركة غالبية قوة الأقسام بأعمال التأمين الميدانية (الكنائس).

هناك على بعد أمتار من نهر النيل وتحديدًا في ديوان عام مديرية أمن الجيزة، يتابع اللواء محمود السبيلي تطورات القضية ليوجه بإضافة عناصر جديدة لفريق البحث لإنجاز المهمة في أقرب وقت، ووقع الاختيار على الرائد حسام العباسي معاون أول مباحث الدقي، والنقيب عصام الشناوي معاون مباحث العمرانية والنقيب محمد طارق من المساعدات الفنية.

خطة بحث محكمة عمل رجال الشرطة على تطبيقها، أملًا في الإمساك بطرف الخيط الذي سيقودهم إلى فك لوغاريتم القضية، وتركزت على فحص أهلية وخطوط سير المجني عليها والجيران ومراجعة كاميرات المراقبة والاستعانة بالتقنيات الحديثة.

لم يمكث المقدم محمد الجوهري رئيس مباحث بولاق الدكرور داخل مكتبه طويلًا، حرص على معاينة مسرح الجريمة مرة ثانية رفقة معاونيه النقيب أيمن سكوري والنقيب أحمد أبو رحمة، ثم ترجل بمفرده يجوب الشارع “محل الواقعة” حتى وجد ضالته في شاهد رؤية أفاد بأنه: “شوفت راجل وست مشيتهم غريبة طالعين العمارة من كام يوم.. شكلهم كان غريب ومن بعدها الحاجة فوزية مشوفنهاش”.

التقط المقدم “الجوهري” كلمات الشاهد وحصل على أوصاف الرجل والسيدة التي كانت ترافقه في تمام السادسة مساء -حسب شاهد العيان- وأسرع إلى تفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالمحلات، بحثًا عن شخصين يحملان نفس الأوصاف حتى توصل لهما.

انتقل عناصر فريق البحث إلى المرحلة الثانية لتحديد هوية المشتبه بهما بسؤال الجيران وحصر قائمة المترددين على شقة القتيلة طوال الأيام التي تلقت وفاتها ليحمل اليوم الخامس من عمل فريق البحث خبرًا سارًا طال انتظاره، توصلت جهود التحري إلى هوية المتهم الرئيسي وشريكته، وكانت المفاجأة وجود صلة قرابة تجمعه بالضحية.

مطلع الأسبوع الجاري استهدفت مأمورية محل إقامة المشتبه بهما، وأمكن ضبطهما وهما (ملاك 35 سنة) مبيض محارة، وزوجته (صباح 32 سنة) فكان لعنصر المفاجأة الفضل في إنهاء تلك القضية، سرعان ما أقر الزوجان بجريمتهما، ومن ثم اقتيادهما إلى ديوان القسم.

تنفس الضباط الصعداء، وارتسمت على وجوههم ابتسامة طال انتظارها، بعد عمل متواصل في طقس شديد البرودة، استحقوا معها إشادة اللواء علاء سليم، مدير قطاع الأمن العام واللواء طارق مرزوق مدير أمن الجيزة.

بهدوء وثقة، وقف الزوجان أمام رجال التحقيق يدليان باعترافات تفصيلية لما اقترفته أيديهما، وبدأ “ملاك” -الذي خالفت تصرفاته اسمه- الحديث بالرجوع إلى جلسة جمعته بسمسار أخبره بقدرته على توفير فرصة عمله له بدولة الكويت ستتبدل معها أحواله المالية، وأن عليه تجهيز 10 آلاف جنيه.

لحظات صمت حاول خلالها الثلاثيني استرجاع أحلام وردية عاشها طوال رحلة عودته إلى منزله، وحديثه مع زوجته عن كيفية تدبير المبلغ في ظل تردي ظروفهما الاقتصادية، حتى وسوس له الشيطان بأن الخيار الوحيد هو ابنة خال والده “الحاجة فوزية” خاصة أنها تقيم بمفردها، فأخبر رفيقة دربه “حضري نفسك.. هنزور الست فوزية”.

عن يوم الجريمة، قال الزوج إنه توجه بصحبة زوجته، إلى شقة الضحية بدعوى الاطمئنان عليها وتهنئتها بقرب حلول العام الجديد، فدَسّ أقراص منومة في عصير قدّمه لها، وعقب فقدها الوعي وسقوطها أرضًا، وربطها بمعساونة زوجته وكتم أنفاسها حتى فارقت الحياة، واستوليا على مصوغاتها الذهبية (4 غوايش وخاتمين) وهاتفها المحمول وبيعها، مقابل 6700 جنيه.

“الجرح اللي في إيدك اليمين من إيه يا ملاك؟”.. سؤال طرحه أحد رجال المباحث على المتهم، فأرجع السبب إلى مقاومة المجني عليها له في أثناء محاولته خنقها، ما دفعه إلى ضربها بمطواة محدثًا إصابتها بالرأس.

5 أيام من البحث والتحري احتاجها ضباط المباحث لكشف ملابسات “الجريمة اللغز” والتي أسدل الستار عليها باصطحاب المتهمين إلى مسرح الجريمة وإجراء المعاينة التمثيلية ومن بعدها إلى محبسهما تنفيذا لقرار النيابة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق